مساحة اعلانية

آخر المواضيع

  

علو البنيان بتوثيق الأساس - mini book 2007


علو البنيان بتوثيق الأساس - mini book 2007
من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الإعتناء به ، فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه ، فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ، ومتى كان الأساس وثيقاً حمل البنيان واعتلى عليه ، وإذا تهدم شئ من البنيان سهل تداركه ، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفع البنيان ولم يثبت ، وإذا تهدم شئ من الأساس سقط البنيان أو كاد .

فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه ، والجاهل يرفع في البناء من غير أساس ، فلا يلبث بنيانه أن يسقط ، قال تعالى : " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " (سورة التوبة : 109) .

فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان ، فإذا كانت القوة قوية حملت البدن ، ودفعت عنه كثيراً من الآفات ، وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن ، وكانت الآفات إليه أسرع شئ .


فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان ، فإذا تشعث شئ من أعالي البناء وسطحه كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس ، وهذا الأساس أمران .
الأول : صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته ، والثاني : تجريد الإنقياد له ولرسوله دون ما سواه ، فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه ، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء ، فأحكم الأساس واحفظ القوة ودُم على الحمية واستفرغ إذا زاد بك الخلط ، والقصد القصد ، وقد بلغت المراد وإلا فما دامت القوة ضعيفة والمادة فاسدة موجودة والإستفراغ معدوماً :

فأقر السلام على الحياة فإنها                                قد آذنتك بسرعة التوديع

فإذا كمل البناء فبيّضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس ، ثم حطه بسور من الحذر ، لا يقتحمه عدو ، ولا تبدو منه العورة ، ثم ارخ الستور على أبوابه ، ثم اقفل الباب الأعظم بالسكوت عما تخشى عاقبته ، ثم ركِّب له مفتاحاً من ذكر الله به تفتحه وتغلقه ، فإن فتحت فتحت بالمفتاح ، وإن أغلقت الباب أغلقته به ، فتكون حينئذ قد بنيت حصناً تحصنت فيه من أعدائك ، إذا أطاف به العدو لم يجد منه مدخلاً فييأس منك ، ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت ، فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب .


فإن أهملت أمره وصل إليك النقب ، فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه ، وتكون معه على ثلاث خلال :
·      إما أن يغلبك على الحصن ويستولي عليك .
·      وإما أن يساكنك فيه .
·  وإما أن يشغلك بمقابلته عن تمام مصلحتك وتعود إلى سد النقب ولمَّ شعث الحصن .

وإذا دخل نقبه إليك نالك منه ثلاث آفات : إفساد الحصن ، والإغارة على حواصله وذخائره ،ودلالة السراق من بني جنسه على عورته ، فلا تزال تبتلى منه بغارة بعد غارة حتى يُضعفوا قواك ويوهنوا عزمك فتتخلى عن الحصن وتخلى بينهم وبينه .

وهذا حال أكثر النفوس مع هذا العدو ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم ، بل برضا مخلوق مثلهم لايملك لهم ضراً ولا نفعاً ، ويضيعون كسب الدين بكسب الأموال ، ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم ، ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم ، ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم ، ويخالفون ربهم بإتباع أهوائهم ويتكلون على الحياة ، ولايذكرون الموت ، ويذكرون شهواتهم وحظوظهم .

وينسون ما عهد الله إليهم ويعتمون بما ضمنه الله لهم ، ولا يهتمون بما أمرهم به ، ويفرحون بالدنيا ويحزنون على فوات حظهم منها ، ولا يحزنون على فوات الجنة وما فيها ، ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار ويفسدون حقهم بباطلهم وهداهم بضلالهم ، ومعروفهم بمنكرهم .

ويلبسون إيمانهم بظنونهم ، ويخلطون حلالهم بحرامهم ويترددون في حيرة آرائهم وأفكارهم ، ويتركون هدى الله الذي أهداه إليهم ، ومن العجب أن هذا العدو يستعمل صاحب الحصن في هدم حصنه بيديه .

كلمات مقتبسة من كتاب الفوائد لإبن القيم
                                                                                                                   

الكــاتــب

    • مشاركة

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة لــ mini book 2007 2019 ©